مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد أيوب

>

مصر والصين.. شراكة تاريخية تصيغ المستقبل

 

 

لا يمكن النظر إلى زيارة الرئيس الصينى "شي جين بينج" كحدث بروتوكولي في جدول المواعيد الدولية أو زيارة دبلوماسية عابرة ، بل هى قمة سياسية حملت دلالات استراتيجية تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية، كما تعد إعلانا رسميا عن انطلاق مرحلة جديدة من الشراكة المصرية الصينية الأكثر طموحا، تقوم على مجالات الاستثمار، والتصنيع، والتكنولوجيا، والتنمية المستدامة.

حيث تأتي هذه القمة في لحظة شديدة الحساسية يشهد فيها النظام الدولي تحولات متسارعة وتصاعدا غير مسبوق في الأزمات الإقليمية والدولية.

هذه الزيارة أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن مصر تمثل الركيزة الأساسية وحجر الزاوية والمفتاح الأساسى لاستقرار الشرق الأوسط، والجسر المحوري الذي يربط بين الصين والشرق الأوسط وأفريقيا ، وأن القاهرة لاتزال تمتلك كل المفاتيح لمواصلة دورها المحورى في أداء رسالتها التاريخية كصانعة للسلام ومحرك رئيسي للتنمية والاستقرار الإقليمي، كما رسخت الزيارة مكانة مصر كشريك استراتيجي لأكبر القوى الاقتصادية والتكنولوجية عالميا مما يعزز من محورية دورها على الساحتين الإقليمية والدولية يوما بعد يوم.

القمة أكدت أن بوصلة السياسة الخارجية فى عهد الرئيس عبدالفتاح السيسى تتجه نحو مسارها الصحيح ،عبر انتهاج  سياسة خارجية قائمة على تنويع الشراكات، وتعظيم المصالح الوطنية، والحفاظ على استقلالية القرار السياسي، مع الانفتاح الفاعل على القوى الدولية المؤثرة، وهو ما يعكس إدراكا مشتركا مع بكين لأهمية رسم خريطة جديدة للتوازنات العالمية تستند إلى التعددية والمصالح المتبادلة.

الاستقبال الحافل للرئيس الصيني على المستوى الرسمى والشعبى يجسد عمق العلاقات التاريخية الممتدة لنحو سبعة عقود؛ توجت خلال عهد الرئيس السيسى بالوصول للعلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة تمنح القاهرة مساحة أكبر للحركة كدولة محورية في بالمنطقة.

كما كشفت الزيارة عن التوافق الواضح في الرؤى بين الجانبين  بشأن أهمية التعددية الدولية واحترام القانون الدولي ورفض المعايير المزدوجة والإجراءات الأحادية، والدعوة إلى بناء نظام عالمي أكثر عدالة وتوازنا يضمن تمثيلا حقيقيا للدول النامية، حيث أكد الرئيس الصيني أهمية الدفاع عن مصالح الدول النامية وتعزيز إسهامها في صياغة مستقبل النظام الدولي ، مما يعزز صوت الدول النامية في المحافل الدولية، استنادا إلى عضوية الصين الدائمة في مجلس الأمن ومكانة مصر المحورية عربيا وإفريقيا.

وخلال الزيارة استطاعت القاهرة أن تبعث برسائلها حول مواقفها الراسخة نحو الأزمات الأقليمية بل وتحصل على دعم وتأييد صينى للموقف المصرى حيث ظهر توافق الرؤى بين الزعيمين حول أهمية تغليب الحلول الدبلوماسية لمنع اتساع رقعة الصراع، واحترام سيادة وأمن دول الخليج والأردن وسلامة أراضيها، إلى جانب ضمان أمن وحرية الملاحة البحرية، ولا شك أن هذا التنسيق مع قوة بحجم الصين يخدم جهود التهدئة ويحمى المنطقة من التداعيات الإنسانية والاقتصادية المترتبة على استمرار النزاعات المسلحة.

كما واصلت مصر دورها التاريخى فى الدفاع عن القضية الفلسطينية ، وشدد الزعيمان على ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية وفقا لمقررات الشرعية الدولية ومبدأ حل الدولتين ، كما تم التأكيد على التزام الجانبين بتنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وضمان التدفق المستمر والآمن للمساعدات الإنسانية والطبية، مع إشادة مصرية صريحة بالدعم الصيني المبدئي لحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، وهو فى وجهة نظرى انتصار دبلوماسى مصرى جديد للقضية الفلسطينية يؤكد أن مصر لم ولن تتخلى عن الأشقاء مهما كلفها الأمر .

وفي امتداد حيوي لهذا التنسيق جسدت المباحثات دعما متبادلا في قضايا الأمن القومي الحيوية لكلا البلدين حيث أكد الجانب الصيني إدراكه التام للأهمية الحيوية لنهر النيل بالنسبة لمصر، وحقها المشروع في حماية أمنها المائي والغذائي، مع دعوة مشتركة لدول حوض النيل بالالتزام بقواعد القانون الدولي وعدم التسبب في أي ضرر ، وفي المقابل، جددت مصر موقفها الثابت بالالتزام بمبدأ 'الصين الواحدة'، والتأكيد على أن تايوان جزء لا يتجزأ من الأراضي الصينية، وهو ما يجسد عمق الاحترام المتبادل وتبادل الدعم في الملفات المصيرية.

ولم تتوقف الزيارة عند حد التوافق السياسي، بل أسفرت عن مكاسب اقتصادية وتنموية تشكل نواة لمرحلة جديدة من الشراكة القائمة على الاستثمار والتصنيع ونقل التكنولوجيا.
فقد أثمرت القمة عن توقيع خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وأكثر من عشرين وثيقة تعاون، وصدور بيان مشترك من 21 نقطة، كان في مقدمة مخرجاته مواءمة "رؤية مصر 2030" مع مبادرة "الحزام والطريق" الصينية؛ وهي خطوة بالغة الأهمية تستهدف دعم تحول مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة النظيفة والاقتصاد الرقمي، يربط بين قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا.
ويأتي الإعلان عن تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية الصينية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ليمثل ترجمة عملية لهذا التوافق، وفرصة استراتيجية لجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية، وتوطين الصناعة، ودعم قطاعات الطاقة المتجددة والسيارات والنسيج، بالإضافة إلى خلق فرص عمل جديدة وتعزيز الصادرات المصرية.

وبالتوازي مع ذلك، شهدت الزيارة حراكا مهما على صعيد الملف المالي والتجاري؛ تمثل في التوجه نحو تعزيز استخدام العملات المحلية في المعاملات التجارية والاستثمارية، وتجديد اتفاقية تبادل العملات بين البلدين وزيادة قيمتها، إلى جانب السعي نحو تحقيق قدر أكبر من التوازن في الميزان التجاري عبر تشجيع دخول المنتجات المصرية إلى الأسواق الصينية، وهي خطوات استراتيجية من شأنها تخفيف الضغوط على العملات الأجنبية ودعم العلاقات الاقتصادية الشاملة.

وهنا أؤكد أن الشراكة مع العملاق الصيني يجب أن ترتكز في مقامها الأول على الإنتاج الفعلي ونقل التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي، بما يسهم في تحويل مصر إلى مركز إقليمي للصناعة والتصدير، والاستفادة من موقعها الجغرافي الفريد وقناة السويس ومنطقتها الاقتصادية الواعدة.
كما أن هذا التعاون يجب أن يمتد ليشمل آفاقا أوسع في مجالات التعليم والبحث العلمي والابتكار، عبر تعزيز الشراكات بين الجامعات المصرية والصينية، وتبادل الخبرات والباحثين والطلاب، ودعم المشروعات البحثية المشتركة، بما يخدم جهود التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة، ويعزز قدرة الشباب المصري على مواكبة المتغيرات المتسارعة في سوق العمل العالمي.
ويجب تحويل كافة الاتفاقات ومذكرات التفاهم إلى مشروعات تنفيذية ملموسة على أرض الواقع ، بما يحقق عائدا مباشرا على الاقتصاد القومى، ويدعم بناء كوادر بشرية مؤهلة وقادرة على قيادة مسيرة التنمية المستدامة.